تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٠ - فصل قوله تعالى أوف بعهدكم
فصل قوله [تعالى]: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
المراد من هذا العهد عند المعتزلة هو ما دلّ عليه العقل من أنّ اللّه يجب عليه إيصال الصواب إلى المطيع، فصحّ وصف ذلك الوجوب بالعهد، لأنّه بحيث يجب الوفاء به.
و أمّا عند الأشاعرة فحيث لا وجوب و لا إيجاب عندهم على اللّه، فإمّا أن يكون إطلاقه عليه تعالى تجوّزا، من باب صنعة المشاكلة، مقوله يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ [٤/ ١٤٢] و مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ [٣/ ٥٤] و ذلك لأن معناه الأمر بمعنى المأمور به، و الموصوف به هو العبد، دون اللّه. أو يقال: إنّه لمّا وعد بالثواب- و الكذب على اللّه محال- فكلّ ما وعد به استحال أن لا يوجد، لأنّه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذبا و المفضي إلى المحال محال. فايفاء ذلك العهد- أي:
مدلول ذلك الخبر- واجب الوقوع. و ذلك آكد ممّا ثبت باليمين أو النذر.- هذا تلخيص ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره [١].
أقول: فيه بحث لأنّ نسبة الوجوب إليه تعالى إمّا سبيل «عليه» أو على سبيل «عنه». فالأوّل مذهب المعتزلة، و الثاني مذهب الحكماء. و شيء منهما لا يقول به الأشاعرة. فقولهم: «لما أخبر تعالى بالثواب فيجب وقوعه» ما معنى هذا الوجوب؟ إن كان أحد المعنيين المذكورين، فلا يصحّ إطلاقه عندهم على فعله تعالى، و إن كان معناه أمرا ثالثا غير ذينك المعنيين، فما لم يبيّن لا يمكن إثباته و لا نفيه، فالآية حجّة عليهم.
و الحقّ في تفسيره أن يقال: لما تقرّر و سبقت إليه الإشارة: إنّ المراد من
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٤٨٨.